القرطبي

51

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ( 219 ) قوله تعالى : ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) . فيه تسع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( يسألونك ) السائلون هم المؤمنون ، كما تقدم . والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة . وكل شئ غطى شيئا فقد خمره ، ومنه " خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل ، أي تغطيه وتستره ، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر ( بفتح الميم ) لأنه يغطى ما تحته ويستره ، يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها ، قال الشاعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطريق أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره . وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف : في لامع العقبان ( 2 ) لا يمشى الخمر * يوجه الأرض ويستاق الشجر ومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم ، أي هو في مكان خاف . فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال : قد اختمر العجين ، أي بلغ إدراكه . وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل ، من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس ، أي اختلطت بهم . فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته ، والأصل الستر .

--> ( 1 ) راجع ص 37 من هذا الجزء . ( 2 ) العقبان ( جمع عقاب ) : الرايات . وقوله : " بوجه الأرض " أي لا يمر بشئ إلا جعله جهة واحدة ، فيكون وجهه مع وجهه حيث يذهب . وقوله : " يستاق الشجر " أي يمر بالرمث ( مرعى من مراعى الإبل ) والعرفج وسائر الشجر فيستاقه معه ، يذهب به من كثرته . وفى ب " العقيان " بالياء ، وقال : " العقيان الخالص من الذهب ويقال هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة " وكذا في ج .